ابن عربي
44
ذخائر الأعلاق شرح ترجمان الأشواق
بها أعظم من المنية لمن لا يحب المفارقة ، ومعاينة أسباب الموت التي هي كرباته وغمراته أعظم من الموت ، فإنّ الموت لا يحسّ به إذ لا يبقى هناك من يحس ، فهذا أوقع التشبيه بأسباب الموت لا بالموت وهو مجبور في الرجوع إلى عالم الأكوان ، ولهذا قال : أرخوا أزمتها ، يقول : ما لي فيها تعمد ، وإنما رجع بي ما أنا رجعت من ذاتي ، فلم يقل : أرخيت أزمتها لهذا ، ثم قال : إنّ الفراق مع الغرام لقاتلي * صعب الغرام مع اللّقاء يهون يقول : إنّ للغرام في الحبّ سلطانا عظيما يقتلك فيه النحول والهيمان والدموع والغليل والأنين والسّقام وجميع الآلام التي يوجبه الغرام ، ثم يجتمع مع ذلك الفراق ، وهو الغيبة « 1 » عن مشاهدة المحبوب برجوعه إلى كونه مثل ما قال عليه الصلاة والسلام : « ما ابتلي أحد من الأنبياء بمثل ما ابتليت به » يشير إلى حاله في الرؤية ، ثم رجوعه إلى خطاب أبي جهل وأبي لهب ، فينضاف إلى آلام المحبة ألم البين ، فلذا قال : إنه لقاتل ، فلو كانت تكون آلام المحبة التي يعطيها الغرام مع اللقاء ، وهو ضرب من الحضور الذي ليس فيه فناء هان عليه ما يجده من حرقة الاشتياق مع اللقاء ، وحرقة الشوق أشدّ للمفارقة ، ولهذا ينبغي للعارف أن لا يقف إلّا مع الذات ، ولا يتعشق باسم دون اسم ، فإنه في كل حال مفارق لاسم مواصل لآخر . ما لي عذول في هواها ، إنّها * معشوقة حسناء حيث تكون يقول : جميع الهمم والإرادات والتوجهات متعلقة بها من جميع الطالبين لكونها مجهولة العين عندهم غير متميزة ، فلهذا قال : إنها معشوقة لكل طائفة ، ولا أحد يعذل في هواه ، كما قد علمنا أنّ النجاة مطلوبة لكل نفس ولأهل كل ملة ، فهي محبوبة للجميع غير أنهم لما جهلوها جهلوا الطريق الموصل إليها ، فكل ذي نحلة وملة يتخيل أنه على الطريق الموصل إليها ، فالقدح الذي يقع بين أهل الملل والنحل إنما هو من جهة الطرق التي سلكوها للوصول إليها لا من جهتها ، ولو علم المخطىء طريقها أنه على خطأ ما أقام عليه ، فلهذا قال : ما لي عذول في هواها ، إنها * معشوقة حسناء حيث تكون أي حيث يوجد لها مشهد يشهد فيه ، فهم إخوان على سرر متقابلين قد نزع ما في صدورهم من غلّ ، ولما أشبهت الشمس في السعة في التجلي ، فكل شخص يرى أنه قد خلا بها ، وهي مع كل واحد من مشاهديها بذاتها وقد رفعت الغيرة « 2 » من قلوبهم عليها والحسد ، فإنّ كل مصل يناجي ربه من ازدحام بخلاف الحضور القريب الذي إذا كان عند شخص فقده شخص آخر فوقعت الغيرة بينهم عليه ، وقام العذول والعذال على
--> ( 1 ) انظر الرسالة القشيرية ( الغيبة ) ص 69 - 70 ، ص 157 - 159 . ( 2 ) انظر الرسالة القشيرية ( الغيرة ) ص 254 - 259 .